كتب نخله عضيمي في “نداء الوطن”:
ليل السابع عشر من أيّار، بدا المشهد اللبناني كأنه يقترب الى لحظة مفصلية، قد تضع حداً لجبهة الجنوب التي استنزفت البلاد وأعادت مئات الآلاف من اللبنانيين إلى دائرة النزوح، وحولت أكثر من 65 بلدة ركامًا خالصًا. وفي معلومات “نداء الوطن” فإن قصر بعبدا تواصل مع “عين التينة” ناقلًا معلومات عن مساع أميركية لإرساء وقف شامل لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، في إطار مبادرة قيل إنها تتجاوز مجرد التهدئة الموقتة إلى محاولة تثبيت ترتيبات أمنية وسياسية جديدة في الجنوب.
الردّ الذي صدر عن الرئاسة الثانية كان واضحًا وحاسمًا: أي وقف لإطلاق النار يجب أن يكون شاملا وكاملا، من دون خروقات إسرائيلية، وأن يترافق مع عودة النازحين إلى قراهم، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة. وقد عكس هذا الموقف تمسكًا بسقف سياسي مرتفع، يربط أي تهدئة بنتائج ملموسة على الأرض، لا بمجرد إعلان سياسي أو تفاهم موقت.
وفي الكواليس، كانت الأجواء توحي بأن المبادرة الأميركية تتضمن تعديلات جوهرية على آليات تنفيذ “إتفاق وقف الأعمال العدائية”، ولاسيما ما يتعلق بالبند الثالث الذي يمنح إسرائيل ما يسمى “حرية الحركة” لمواجهة التهديدات. وتشير المعطيات إلى أن الطرح الأميركي كان يهدف إلى تقييد هذا البند وحصره في الحدود الدنيا خارج الخط الأصفر، مع إبقاء الوضع على طول الخط نفسه رهنا بمسار تفاوضي لاحق.
كما تردد أن إسرائيل لا تزال تتحفظ على المخاطر الناجمة عن الطائرات المسيرة، في حين أفادت معلومات بأن القسم الأساسي من القوة الصاروخية التابعة لـ”حزب الله” بات متمركزًا خارج منطقة شمال الليطاني. وبرز أيضًا تصور يقوم على التعامل مع مخزون الصواريخ، على نحو يشبه مقاربة المجتمع الدولي لمخزون اليورانيوم الإيراني، حيث يبقى خارج الاستخدام الفعلي، وتحت نظام مراقبة صارم، يضمن تعطيله من دون تفكيكه الكامل.
لكن ما إن تسربت هذه المعطيات، حتى قرأت أوساط “حزب الله” المبادرة من زاوية مختلفة تماما. فقد اعتبرتها محاولة سياسية واستراتيجية لفصل جبهة لبنان عن جبهة إيران، في توقيت حساس إقليميًا ما يعني أن “الحزب” مصرّ على وضع جبهة الجنوب فوق صفيح الدمار خدمة لإيران, وهو ما عبر عنه من دون خجل عضو المجلس السياسي في “حزب الله “بلال اللقيس على “اكس” كاتبًا: “الحديث عن هدنة على جبهة لبنان ليس أكثر من مناورة إسرائيلية أميركية بهدف فصل جبهات المقاومة وتفريقها، وربما يخططون لشيء ضد إيران والمطلوب الآن تمتين ساحات جبهة المقاومة ووحدتها بل وزيادتها.”
الهدنة التي أسقطها “الحرس”
من هذا المنطلق، بدا أن “الحزب” لم يكن مستعدًا لمنح موافقة نهائية من دون ضمان قبول إيراني واضح، باعتبار أن القرار يتجاوز الساحة اللبنانية إلى الحسابات الكبرى المرتبطة بطهران و”الحرس الثوري”.
في المقابل، كانت إيران نفسها تعيش حال ترقب وقلق، خشية أن يكون الهدوء الظاهر، مقدمة لضربة مفاجئة قد تستهدفها خلال أيام أو حتى ساعات. هذا القلق جعل من الصعب على طهران توفير الضوء الأخضر لفصل الجبهة اللبنانية، في وقت تعتبر أن أي تهدئة في لبنان قد تحرمها من إحدى أوراق الردع الأساسية، في مواجهة الضغوط العسكرية والسياسية المتزايدة.
وفي ظل هذا التعقيد، لم يصدر أي ردّ إيجابي على الشروط التي طرحتها “عين التينة”، وهي شروط اعتبرها البعض مرتفعة السقف إلى حد أنها تكاد تختصر نتائج المفاوضات مسبقًا، وتطالب بتثبيت معادلات سياسية وأمنية نهائية قبل انطلاق التفاوض الفعلي.
وهكذا، بقي وقف إطلاق النار الموعود معلقًا بين حسابات “حزب الله” المرتهنة لإيران وتشابك الإقليم. فالمسألة لم تعد مجرد تفاهم على تهدئة حدودية، بل مرتبطة بقرار استراتيجي أكبر: هل يقبل “حزب الله”، ومن خلفه “الحرس الثوري الإيراني”، بفصل جبهة لبنان عن جبهة إيران في لحظة قد تكون فيها المنطقة على أبواب مواجهة أوسع؟
حزب الله يربط الجنوب بمصير ايران
وهكذا، بقي لبنان في المربع الأول. الجنوب لا يزال تحت وطأة التصعيد، والنازحون ينتظرون العودة إلى قراهم، والدولة اللبنانية عاجزة عن فرض مسار مستقل، يراعي مصالحها الوطنية، بعيدًا من رهانات المحاور الإقليمية.
مرة جديدة، يجد اللبنانيون أنفسهم، ولاسيما أبناء الطائفة الشيعية وسكان الجنوب، يدفعون ثمن ربط الساحة اللبنانية بصراعات تتجاوز حدودهم ومصالحهم المباشرة، بعدما ضحى “حزب الله”مجددًا بقرى الجنوب وببيئته وبالطائفة، كرمى نظام الملالي.
ومن هنا, دفّع “الحزب” لبنان أثمان “إسناد غزة” ثم “الثأر لخامنئي”، وهو يخطط اليوم لتحميله كلفة “إسناد ثالث” عنوانه “لا لإستفراد ايران، ونعم لدعمها على الحفاظ على الأوراق التفاوضية في مواجهة الاستحقاقات الإقليمية المقبلة”.
المصدر: imlebanon




