أخبار عاجلة
ضاحية بيروت في دائرة النار مجددًا -
واشنطن تشعر بخيبة من موقف برّي لرفضه النصيحة -
اتصالات عون لم تهدأ -
النزوح عبءٌ يتراكم على اقتصادٍ يترنّح -
هل تُلغى الامتحانات الرسمية؟ -
الجنوب أمام منعطف تاريخي -

النزوح عبءٌ يتراكم على اقتصادٍ يترنّح

النزوح عبءٌ يتراكم على اقتصادٍ يترنّح
النزوح عبءٌ يتراكم على اقتصادٍ يترنّح

كتبت رماح هاشم في “نداء الوطن”:

في ظلّ الأزمات المتلاحقة التي يُواجهها لبنان على المستويات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، برز ملفّ النزوح الداخلي كأحد أبرز التحديات التي فرضت نفسها على الدولة ومؤسساتها. فإلى جانب التداعيات الإنسانية والاجتماعية التي ترافق أي حركة نزوح واسعة، تطرح هذه الظاهرة أسئلة جوهرية حول قدرتها على التأثير في المالية العامة، والبنية التحتية، ومستويات الإنتاج والاستهلاك، في بلد يُعاني أساسًا من محدودية الموارد وضعف الإمكانات.

مع اتساع رقعة النزوح وتزايد الضغوط على المناطق المستقبلة للنازحين، يتجدّد النقاش حول الكلفة الاقتصادية الفعلية لهذه الظاهرة، وما إذا كانت تشكل عبئًا صافيًا على الاقتصاد اللبناني أم أنها تترك بعض الآثار الإيجابية المرتبطة بتنشيط الطلب والأسواق المحلية. وبين هذيْن الطرحيْن، تبدو الحاجة مُلحة إلى مقاربة اقتصادية علمية تُميّز بين الانعكاسات الآنية والنتائج طويلة الأمد، وتوضح حجم الأعباء المباشرة وغير المباشرة التي تتحملها الدولة والاقتصاد الوطني.

«ملفّ مُعقد»

في هذا السياق، يرى أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية جاسم عجاقة، أن «ملف النزوح الداخلي في لبنان يُعدّ من أكثر الملفات تعقيدًا من منظور الاقتصاد الكلي، نظرًا لما يُسبّبه من استنزاف مباشر للموارد التي تعاني أساسًا من الشح، فضلا عن التغيّرات الهيكلية التي يفرضها على حركة الأسواق والطلب الاستهلاكي».

ويشير عجاقة لـ «نداء الوطن»، إلى أن «تقييم الكلفة الاقتصادية للنزوح واعتبارها عبئًا صافيًا أو عاملا محركًا للنشاط الاقتصادي يُشكلان وجهيْن لواقع واحد، إذ لا يمكن توصيف حركة النزوح على أنها عبء صافٍ بصورة مطلقة. فاقتصاديًا، نحن أمام معادلة تضم جانبيْن غير متكافئيْن ولا يوازنان بعضهما البعض».

يتابع: «يتمثّل الجانب الأول في الأثر السلبي الذي يفرض عبئًا هيكليًا كبيرًا على الاقتصاد، من خلال الضغط الشديد على البنية التحتية، واستنزاف الموارد الوطنية، وتراجع الإنتاج في عدد من القطاعات الحيوية، ولا سيّما في المناطق التي شهدت موجات نزوح واسعة.

أما الجانب الثاني، والذي يُمكن وصفه بـ «الإيجابي الدفتري»، فيتمثّل في تحفيز الطلب الاستهلاكي نتيجة انتقال النازحين إلى مناطق جديدة، ما ينعكس زيادة في الإنفاق على المواد الغذائية والمستلزمات الطبية والمحروقات وارتفاعًا في كلفة الإيجارات. إلا أن هذا التحفيز يبقى مؤقتًا ويقتصر بشكل أساسي على قطاعيْ التجارة والخدمات، مولدًا حركة سيولة نقدية ظرفية».

ويؤكد عجاقة أن «هذا النوع من التحفيز لا يُعد صحيًا من الناحية الاقتصادية، لأنه ذو طابع تضخمي ولا يقود إلى نمو اقتصادي حقيقي أو زيادة في الإنتاج، بل يقتصر أثره على إحداث تبدل قسري في الخريطة الديموغرافية للاستهلاك داخل الاقتصاد اللبناني».

الكلفة المباشرة وغير المباشرة

وعن الفرق بين الكلفة المباشرة وغير المباشرة في هذا الملف، يوضح عجاقة أنه «لقياس حجم الأزمة بدقّة، يعتمد الاقتصاديون مساريْن أساسيين. يتمثّل الأول في الكلفة المباشرة، وهي النفقات الفورية والنقدية التي تتكبّدها الخزينة العامة لإدارة الأزمة، وتشمل الإنفاق على مراكز الإيواء، والمساعدات الغذائية والطبية والعينية الطارئة التي تؤمّنها وزارات الصحة والشؤون الاجتماعية والتربية، إضافة إلى كلفة الاستنفار الأمني والعسكري واللوجستي، فضلا عن الأضرار التي تصيب البنية التحتية والمنازل. وتندرج هذه العناصر مجتمعة ضمن ما يُعرف بالكلفة الاقتصادية المباشرة».

يضيف: «أما الكلفة غير المباشرة، فهي أكثر عمقًا وخطورة، وتُصنف ضمن ما يُعرف في علم الاقتصاد بـ «كلفة الفرصة البديلة». وتشمل الاستهلاك المتزايد للبنية التحتية في المناطق المستقبلة للنازحين، بما يؤدي إلى تسارع اهتراء شبكات الصرف الصحي والمياه والكهرباء والطرقات، وارتفاع كلفة صيانتها. كما تشمل هذه الكلفة الخسائر الاقتصادية الناتجة عن تراجع الإنتاج، إذ يؤدي نزوح السكان من مناطقهم إلى تعطيل أنشطة زراعية وصناعية وتجارية، ولا سيما في الجنوب والبقاع، ما ينعكس انخفاضًا في الناتج المحلي الإجمالي. كذلك تبرز خسارة الإيرادات الضريبية كأحد أبرز أوجه الكلفة غير المباشرة، إذ يؤدي تراجع النشاط الاقتصادي، خصوصًا في المناطق المتأثرة بالحروب والمعارك، إلى انخفاض قدرة الدولة على تحصيل الضرائب والرسوم».

ماذا عن «العجز والديْن»؟

ردًا على سؤال حول مدى تأثير ملف النزوح على عجز الموازنة والدين العام، يشير عجاقة إلى أن «لبنان يُعاني أساسًا من أزمة مالية حادة منذ عام 2019، ومن عجز مزمن في الموازنة يعود إلى عام 1993، ما يجعل أي أزمة إضافية عاملا مضاعفًا للضغوط المالية».

ويشرح أن «الدولة أعدّت موازنة عام 2026 على أساس السعي إلى تحقيق توازن مالي، إلا أن تطورات ملف النزوح فرضت معطيات جديدة. فمن جهة، أدّت الأزمة إلى زيادة النفقات الطارئة غير الملحوظة في الموازنة، ما وسّع الضغوط على المالية العامة. ومن جهة أخرى، فإن الإيرادات الإضافية التي تمكنت الدولة من تحصيلها خلال العامين الماضيين عبر رفع بعض الضرائب والرسوم الجمركية، استُهلك جزء كبير منها في مواجهة تداعيات النزوح ومتطلباته».

على صعيد الديْن العام، يلفت عجاقة إلى أن «المشكلة لا تقتصر على ارتفاع حجم الدين الفعلي، بل تشمل أيضًا تراجع الناتج المحلي الإجمالي، ما يؤدّي تلقائيًا إلى ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج، وهي من أبرز المؤشرات التي تعتمدها المؤسسات المالية الدولية في تقييم أوضاع الدول وقدرتها على التعافي واستعادة الاستقرار المالي».

«قدرة لبنان على التحمّل»

عن قدرة لبنان على تحمّل هذه الضغوط على المدى الطويل، يؤكد عجاقة أن «البلاد لا تملك الإمكانات المالية أو البنيوية الكافية لاستيعاب هذا الواقع لفترة طويلة. فالاحتياطات المتوافرة لدى مصرف لبنان محدودة، والقطاع المصرفي لا يزال يعاني من الشلل، فيما تبقى الثقة الدولية بلبنان ضعيفة حتى قبل تفاقم أزمة النزوح».

ويُحذر عجاقة من أن «استمرار الوضع الراهن من دون تدفقات مالية خارجية كبيرة ومباشرة سيؤدي إلى جملة من التداعيات الخطيرة، أبرزها استنزاف القدرة الشرائية للمواطنين نتيجة التضخم المتزايد في أسعار العقارات والسلع الغذائية، وتراجع مستوى الخدمات العامة الأساسية، ولا سيما في قطاعيْ الصحة والتعليم الرسمي، فضلا عن اتساع الاقتصاد النقدي (الكاش)، الأمر الذي يحرم الخزينة من جزء من الإيرادات ويزيد من التحديّات التي تواجه لبنان على صعيد علاقته بالمؤسسات الدولية».

في المحصّلة، لا يُمكن النظر إلى ملف النزوح الداخلي من زاوية الأرقام الآنية أو حركة الأسواق الظرفية فقط، إذ تتجاوز تداعياته حدود الإنفاق المباشر لتطال بُنية الاقتصاد وقدرته على النمو والاستمرار. وبين الكلفة المالية التي تتحمّلها الدولة والخسائر غير المباشرة التي تصيب الإنتاج والإيرادات والبنية التحتية، تتعاظم التحديات في ظل الأوضاع الاقتصادية الهشة التي يعيشها لبنان.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق هل تُلغى الامتحانات الرسمية؟
التالى “الشقيف” سقطت عسكريًّا و”الحزب” أخلاقيًّا!