أخبار عاجلة

في بعلبك: إزالة التعدّيات تفتح سجالا طائفيًا وتشعل الانقسام

في بعلبك: إزالة التعدّيات تفتح سجالا طائفيًا وتشعل الانقسام
في بعلبك: إزالة التعدّيات تفتح سجالا طائفيًا وتشعل الانقسام

كتب عيسى يحيى في “نداء الوطن”:

وقعت إجراءات بلدية بعلبك لإزالة التعدّيات عن الأملاك العامة في فخ التفسير الطائفي، ولم تقرأ كإجراء قانونيّ صرف بقدر ما فسّرت كاستهداف فئة دون أخرى، وبدت الصورة وكأنها حملة على الضعفاء وفي مناطق محدّدة دون غيرها، في مدينة تقوم على تنوّع مذهبيّ وطائفيّ. ما أعاد طرح تساؤلات مؤجّلة عن دور البلدية الحالية والبلديات التي تعاقبت عندما كانت المشاعات تصادر والتعدّيات تتوسّع دون حسيب أو رقيب، ولماذا لا يحلّ الملف اليوم وفق معايير عادلة لا استنسابية؟

في وقتٍ يعيش فيه جنوب لبنان على وقع حملات تدمير طالت المنازل والمؤسّسات، وتئنّ مختلف المناطق تحت ثقل الحرب وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تنشغل البلديات عادة بالبحث عن مخارج تخفّف عن الناس أعباء الأزمة، لا أن تفتح مواجهات إضافية معهم. وفي هذا التوقيت بالذات، أطلقت بلدية بعلبك حملتها لإزالة التعدّيات عن الأملاك العامة، وهي خطوة محقة من حيث المبدأ، خصوصًا مع تفشي هذه الظاهرة في ظلّ استغلال بعض النافذين والناس على حدّ سواء ظروف الحرب لفرض أمر واقع جديد على المشاعات.

فالمخالفات التي أُزيلت تركّزت في مناطق عند الطائفة السنية تحديدًا، ما أعاد إدخال الملف في حسابات الانقسام، وفتح الباب أمام تصويره كاستهداف فئة دون أخرى. ومع تصاعد الخطاب، جُند المخاتير والفاعليات، وتكاثرت البيانات الاستنكارية، فيما صدحت بعض المنابر إلى أبعد من ذلك في توصيف ما يجري، بعد أن كان الحدّ الأدنى من الوئام المحلّي قائمًا في السابق بين هؤلاء والقيّمين على البلدية.

ميدانيًا، بدأت بلدية بعلبك منذ أيام حملة لإزالة المخالفات والتعدّيات داخل المدينة، شملت هدم عدد من المحال المشيّدة على أراضٍ مشاع، وإزالة أكشاك وبسطات من على الأرصفة، وذلك بمؤازرة شرطة البلدية. وتندرج هذه الخطوة في إطار ما تصفه البلدية بمحاولة تحرير الأرصفة وإعادة تنظيم الفضاء العام، بعد سنوات من استباحته من قبل أصحاب محال ومؤسّسات عمدوا إلى التوسّع خارج حدودهم، ما حوّل الأرصفة إلى امتداد تجاريّ خاص.

هذا الواقع تحوّل إلى خطر مباشر على المارّة، والذين باتوا مضطرين للسير بين السيّارات في شوارع مكتظة، في ظلّ غياب أي مساحات آمنة للمشاة. كما أن الفوضى الناتجة عن هذه التعدّيات أسهمت في تشويه المشهد العام للمدينة، وكرّست نمطًا من الاستخدام غير المنظّم للملك العام، ما دفع البلدية إلى التحرك تحت عنوان فرض الحدّ الأدنى من النظام.

وعلى الرغم من الطابع القانوني للإجراءات، إلا أن الطريقة التي جرى بها التعاطي مع الملف خلّفت شعورًا واسعًا بالغبن لدى شريحة من أبناء المدينة، الذين رأوا أن ما يحصل لا يطول الجميع بالمعايير نفسها. فبينما طالت الإزالة مناطق وأحياء محدّدة، بقيت مخالفات أخرى قائمة في أطراف المدينة ومحيط رأس العين وسواها، حيث تنتشر تعدّيات مماثلة لم يُقاربها أي إجراء مماثل حتى الآن.

هذا التفاوت أعاد فتح ملف قديم وأكثر حساسيّة، يتعلّق بالمشاعات والأراضي العامة التي جرى تقسيم مئات آلاف الأمتار منها أو وضع اليد عليها في مراحل سابقة، وتحويلها إلى مصالح خاصة أو استثمارات مرتبطة بشبكات نفوذ ومحازبين، من دون أي مساءلة فعليّة أو تدخل من البلديات المتعاقبة. وهي وقائع ما زالت حاضرة في الذاكرة المحلّية، وتُستحضر اليوم كدليل على أن معالجة الملف لم تكن يومًا شاملة أو متساوية.

من هنا، بدا واضحًا أن ما جرى لم يُقارب كخطة إصلاح متكاملة، بل كخطوة مجتزأة، الأمر الذي عمّق الشعور بأن التطبيق استنسابي أكثر من كونه موحّدًا. وعليه لا يبدو أن الإشكال في بعلبك يرتبط بقرار إزالة التعدّيات بحدّ ذاته، بقدر ما يرتبط بكيفية إدارة هذا الملف وتوقيت فتحه وحدود شموليته. فاستعادة الأملاك العامة والمشاعات تبقى خطوة ضرورية لا خلاف عليها، لكنها تفقد معناها حين تُقرأ كإجراء انتقائي، وتتحوّل من مسار لإعادة فرض القانون إلى عنصر إضافي في تغذية الانقسام الداخلي.

وبين ضرورة وقف الفوضى من جهة، ورفض الاستنسابية في تطبيق القانون من جهة أخرى، تقف المدينة أمام معادلة دقيقة لا تحتمل المعالجة المجتزأة، فالقانون إمّا أن يُطبّق على الجميع من دون استثناء، أو يفقد جزءًا كبيرًا من شرعيته في نظر الناس.

المصدر: imlebanon

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق مواقف حاسمة الأربعاء… وخطوات مهمّة!
التالى قاسم المهزوم يعظ الدولة