جاء في “الراي الكويتية”:
كما المنطقة كذلك في لبنان، ارتسمتْ حالُ انتظار ثقيلٍ لمآلات المحاولة «الأخيرة الجديدة» لاجتراحِ نهايةٍ للحرب مع إيران، إما بانفراجٍ ولو على قاعدة حلٍّ بطيء وإما بانفجارٍ سريعٍ وحاسِم تلوّح به واشنطن لفرْض شروطها على طريقة… آخِر الدواء الكي.
ومع اقتراب ملف إيران من مفترق شديد الأهمية والخطورة سينعطف معه نحو التهدئة أو التصعيد، فإنّ هذا الأمر يعزّز في رأي أوساط واسعة الاطلاع الدور الذي تؤديه المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن، باعتبار أنها ترسم إطاراً ناظماً يوفّر «قالباً جاهزاً» لإسقاط نتائج أي «حَرْبٍ أخيرة» مع طهران أو حِبْرِ أي اتفاقٍ معها على الملف اللبناني.
وفي اعتقاد الأوساط أنّ هذا البُعد تحديداً هو الذي يَجعل هذه المفاوضات محط صراع داخلي في بيروت يلامس التطاحنَ السياسي، بدفعٍ خَلْفي وغير خَفي من إيران التي تتعاطى مع لبنان وكأنّه «النووي» الإستراتيجي الذي أتاح لها في العقد الأخير خصوصاً تمدُّداً في الدور لم تعرف له مثيلاً.
وهذه العناصر مجتمعةَ تدخل، وفق الأوساط عيْنها في اعتباراتِ الرئيس اللبناني جوزاف عون، الذي يصرّ على أن تدير «بلاد الأرز» بنفسها وعن نفسها مفاوضاتها مع إسرائيل بوساطةٍ أميركية، قادها دونالد ترامب، شخصياً في الجولة التمهيدية الثانية على مستوى السفراء، وسط محاولة «سيد قصر بعبدا» اجتراحِ مسارٍ متعدد الطبَقة لإقناعٍ الرئيس الأميركي بوجهة نظره المتحفظة عن لقاء بنيامين نتنياهو، إلا تتويجاً لاتفاقٍ أمني وليس افتتاحاً للمفاوضات الرسمية المباشرة، وهو الموقف الذي بات راسخاً رغم أن عون تَقَدّم خطوةً في الساعات الماضية في اتجاه تظهير أن مبدأ اللقاء موافَق عليه ويبقى الخلاف حول التوقيت فقط وما ينطوي عليه من عوامل يمكن أن تشكّل ألغاماً في الداخل اللبناني في حال «حرْق المراحل».
وعلى وقع تقارير تحدثت عن احتمال عقد الجولة الثالثة على مستوى السفراء في واشنطن على مدى يومين متوالييْن منتصف الأسبوع المقبل، مع تسريباتٍ باحتمال أن يشارك فيه أيضاً رئيس الوفد اللبناني إلى اجتماعات لجنة «الميكانيزم» السفير السابق سيمون كرم، وممثل للجيش اللبناني فيها، في محاولةٍ لانتزاع التزام إسرائيلي بوقف كامل للنار كمدخل لانطلاق المرحلة الرسمية من التفاوض والتفاهم على مرجعية هذا المسار وأجندته النهائية، فإنّ لبنان بدا تبعاً لذلك أمام وضعية انتظارٍ مزدوج على مساره التفاوضي:
– الأول إذا كان سينجح في الحصول على وَقْفِ نارٍ فعلي، يسهّل على الدولة الانتقالَ إلى المرحلة الثانية من المفاوضات المباشرة الأعلى مستوى ويخفّف من الأشواك التي تحوط بها وكأنها «أسلاك شائكة» يضعها «حزب الله» خصوصاً.
وفي هذا السياق يَبرز انتظارُ ما إذا كان أي اختراق إيجابي على جبهة إيران من شأنه المساعدة في جعْل ترامب، يزيد من الضغط على تل أبيب لالتزامٍ تام بالهدنة على جبهة لبنان بما يسمح بالمضيّ قدماً بالمفاوضات تكريساً لفَصْلِ المساريْن بين بيروت وطهران، وبما يدفع «حزب الله» في المقابل إلى وقْف عملياته التي خَفَّضَها – تَلازُماً مع حصْر إسرائيل وتيرة اعتداءتها في الجنوب قبل أن تمدّدها بقوة إلى البقاع الغربي – حيث امتنع منذ «هدنة لبنان» عن استهدافاتٍ في اتجاه «حيفا وما بعد حيفا»، والتي تتطلب سلاحاً ذات طابع «إستراتيجي» لم يتوانَ عن استخدامه خلال اشتعال جبهة إيران.
– والانتظار الثاني لردّ فعل الرئيس الأميركي على إصرار الرئيس اللبناني على عدم لقاء نتنياهو، قبل بلوغ اتفاقٍ أمني من أبرز عناصره الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وهو ما كان السفير الأميركي ميشال عيسى، أكد قبل أيام في منشور له أن ترامب، سيمنح الضمانة بإزائه خلال القمة الثلاثية التي لم تتراجع واشنطن عنها، وإن كانت بعد لم تحدّد موعداً لها أو توجه دعوة إليها.
وفي الوقت الذي لم يُعرف إذا كان ترامب، في حال تَفَهُّمه مقاربة عون، سيعمد إلى دعوة الأخير إلى قمة ثنائية في البيت الأبيض أم لا، فإنّ عدم قبول الرئيس الأميركي بـ «الأسباب الموجبة» لإرجاء الرئيس اللبناني اللقاء مع نتنياهو، يفتح البابَ أمام سيناريوهاتٍ قاتمة مدججة بأسئلةٍ من نوع هل يكون ذلك باباً لتعاود من خلاله إسرائيل توسيع عملياتها العسكرية في اتجاه الضاحية الجنوبية لبيروت وربما قلب العاصمة اللبنانية في سياق الضغط بالنار على عون، أم أنّ حرص ترامب، على إنجاح المفاوضات مع طهران سيجعله يُبْقي أيدي تل أبيب مقيّدة على جبهة لبنان.
ولم يكن عابراً ما أكده وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، عن عدم وجود أي مشكلة بين حكومتيْ إسرائيل ولبنان، «والمشكلة الحقيقية تكمن في حزب الله»، موضحاً «أن إسرائيل لا تدّعي أن هناك أراضي في لبنان تعود إليها، وبوجه عام أعتقد أن التوصل إلى اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل أمر قابل للتحقيق في وقت قريب، وينبغي أن يحدث».
وأضاف: «حزب الله المدعوم من إيران يشكل تهديداً مباشراً للشعب اللبناني وإسرائيل على حد سواء».
وأكد روبيو «أَمَلُنا أن تنخرط حكومتا لبنان وإسرائيل تحت وساطتنا على الطاولة لتحقيق الآتي: أن تكون هناك قوات مسلّحة لبنانية، وأن تكون الحكومة لا تملك فقط الرغبة والإرادة بل القدرة للبدء بتحدي حزب الله ونزع سلاحه، لأن الشعب ايضاً ضحية الحزب».
وتابع «مَن يقف وراء الحزب ولماذا هو موجود؟ هو عميل لإيران… إذا نظرتَ إلى الشرق الاوسط وحددتَ كل مشكلة، ستجد حماس، حزب الله، وإلى حد ما الحوثيين، وغيرهم. ووراء كل من هذه المجموعات طهران. ولذا بمعزل عن السلاح النووي والأمور الأخرى، فإن إيران خلف كل الجهات الفاعلة السيئة… حزب الله جناحٌ وامتدادٌ لرغبة طهران في زعزعة استقرار المنطقة. ولذا نحن ملتزمون جداً هذه العملية (التفاوضية بين لبنان وإسرائيل)، ولن يكون الأمر سهلاً، وسنبذل قصارى جهدنا لضمان ان يستمر الحوار بين الطرفين كي يتسنّى إحراز تقدم نحو اتفاق وقف نار دائم لا يتعرّض للتخريب المستمر من حزب الله وعنفه».
المصدر: imlebanon




