كتب أنطوان مراد في “نداء الوطن”:
قبل اللحظة الراهنة المثقلة بالتساؤلات والاحتمالات على أنواعها، كانت الكلمة للميدان والسلاح ولغة العنف، في إطار رفع السقوف والشروط والأثمان عندما يحين موعد المفاوضات والتسويات، أما اليوم، حتى وإن استمرت لغة الحديد والنار بين صعود وهبوط، فإن الكلمة هي للخيار الدبلوماسي الذي لا يقل صعوبة، لا سيما وأن عودة المواجهات العسكرية الواسعة سواء على الجبهة الإيرانية أو الجبهة اللبنانية، هي لإفهام من ينبغي أن يفهم بأن الرهان العسكري لم يعد مفيدًا بل بات يشكل عبئًا إضافيًا ويرتب خسارة المزيد من النقاط.
ولذلك، يصعب على إيران و”حزب الله” الرهان على تحسين شروط التفاوض. لأنّ المعادلة اليوم، هي أسوأ بالنسبة إليهما مما كانت عليه عشية الحرب في 28 شباط الماضي. على أن الفارق أن الجمهورية الإسلامية تدرك أن لا حل إلا من خلال التفاوض، وبخاصة نتيجة الصعوبات التي تواجهها في الداخل ماليًا واقتصاديًا واجتماعيًا، بينما “حزب الله”، وبدعم من الحرس الثوري الذي يسيطر على القرار في طهران وبيروت على السواء، يراهن على عرقلة المفاوضات للاستمرار في حالة الاستنزاف، انطلاقا من قناعته بأنه قادر على تحمل تبعاتها أكثر من إسرائيل، ولو نجحت في تثبيت الخط الأصفر وتحصينه.
ويقول مصدر دبلوماسي غربي في بيروت، يتحفظ على ذكر البلد الذي ينتمي إليه، أن “حزب الله” أمام خيارات عدة أحلاها مر: فالخيار العسكري الصرف، لم يعد بالقدرة ذاتها لفرض تسوية متوازنة بالحد الأدنى بالنسبة إليه، ويفتقر في أي حال للتمويل المعهود، والخيار السياسي، يستمد قوته من الخيار العسكري، وتاليًا، بات أقل تأثيرًا، فيما الخيار الدبلوماسي، أسقط من يده ومن يد الرئيس نبيه بري، وليس لديه السيطرة والتحكم. أما إذا فكّر أو حاول اللجوء إلى الخيار الرابع، وهو الخيار الأمني، فإنه سيواجه جملة عوامل لا تصب لمصلحته:
أولا، لأنه مكشوف إن لم يكن كليًا فبنسبة كبيرة، وحتى إن استطاع تنفيذ عمل ما، فإن الكشف عن تفاصيله وحيثياته سيكون سريعًا.
ثانيًا، لأن المنظومة الأمنية التي اشتهر بها مصابة في الصميم ومعطلة بنسبة كبيرة، نتيجة الخسائر البشرية والافتقار إلى الوسائل اللازمة والكافية.
ثالثًا، لأن الإجراءات الاحترازية المتخذة باتت في أوجها، مع سهولة أكبر للأجهزة الأمنية في الحركة والمبادرة، مع توافر معطيات من العواصم الغربية والأوروبية تصل إلى المراجع المعنية بشكل شبه يومي.
رابعًا، لأن “حزب الله” ومن خلفه الحرس الثوري يدركان تمامًا أن أي عملية أمنية كبيرة، سواء من خلال تفجير ما أو محاولة اغتيال، ستجر عليهما ردودًا غير تقليدية، لأنهما بذلك يهددان مسار السلام ككل ويعرقلان الرهان على ترتيب المرحلة الجديدة للشرق الأوسط.
ولذا، وكما يضيف المصدر، على إيران و “حزب الله” أن يعلما بأن هكذا مغامرة ستكون عواقبها وخيمة وستفتح أبواب الجحيم عليهما، ليس من إسرائيل، بل من الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، علمًا أن الرد سيكون هذه المرة بالتنسيق مع الأوروبيين. ويلفت المصدر إلى أن هناك استعدادات بالغة الجدية أمنيًا وعسكريًا لمختلف الاحتمالات بالنسبة للبنان و “حزب الله” تحديدًا، وسيكون للتمركز العسكري في قبرص لا سيما جويًا وبحريًا وأمنيًا دور بارز على هذا الصعيد.
ويوضح أن التنسيق في هذا الإطار أفضل من جيد خلافًا لما هو حاصل في الخليج، لا سيما بين البريطانيين الذين يملكون قاعدتين عسكريتين كبيرتين هما دخيليا في شرق قبرص وأكروتيري في جنوب غربها، مع تسجيل تكثيف نوعي وعددي للقوى العسكرية والأمنية فيهما، إلى استجلاب طائرات حربية إضافية. كما إن الأميركيين عززوا حضورهم الاستخباري عبر مراكز رصد جبلية وتواجد غير ظاهر لبعض المجموعات العسكرية والأمنية، إلى التحضير على عجل كما يبدو لبناء مرسى بحري على الشاطئ جنوبي مدينة ليماسول يمكن لبعض السفن الأميركية المتوسطة المكوث فيه والتزود ببعض حاجياتها.
ويخلص إلى القول: إن “حزب الله”، بحسب بعض التقارير، ينحو إلى مواجهة طويلة الأمد على جملة مسارات، إذ لا يريد وفق تقارير وصلت إلى إحدى العواصم الغربية أن يلقى خسارة تامة، بل يسعى إلى نصف خسارة يحوّلها إلى نصف انتصار، ليحتفظ بدور عسكري وأمني ولو محدود ضمن هوامش معينة، مقابل السعي للاستحصال على تعويض ما في تركيبة الدولة والإدارة اللبنانية، بما يمكنه من استرضاء قواعده الشعبية، علمًا أن احتمال نجاحه في كلا الرهانين ضعيف.




