الجمود الاستراتيجي: إيران وأميركا بلا نصر

الجمود الاستراتيجي: إيران وأميركا بلا نصر
الجمود الاستراتيجي: إيران وأميركا بلا نصر

كتبت بولا أبي حنا في نداء الوطن: 

في السياسة، لا توجد عقائد أبدية، ولا عداوات أبدية. وما نشهده اليوم بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد احتمالا قيد التبلور، بل مسارًا سياسيًا بدأ يتشكّل بعد توقيع مذكرة التفاهم إلكترونيًا ودخولها حيّز التنفيذ. فالجمهورية الإسلامية التي بنت جزءًا أساسيًا من شرعيتها على مواجهة “الشيطان الأكبر”، تجد نفسها اليوم في مسار تفاهم مباشر معه. أما الولايات المتحدة التي أمضت عقودًا في محاصرة إيران ومحاولة تطويعها، فقد عادت إلى منطق التفاهم بعدما اكتشفت أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع نظامًا إقليميًا مستقرًا.

كثيرون في المنطقة راهنوا على انهيار إيراني وشيك أو على إعادة تشكيل جذري للشرق الأوسط عبر الحسم. لكن الوقائع جاءت معاكسة: لا إيران انهارت، ولا خصومها حسموا، ولا الولايات المتحدة ذهبت إلى المواجهة المفتوحة، بل انتقلت إلى إدارة الصراع بدل تفجيره.

في علم السياسة، يُعرف هذا المشهد بأنه توازن قوى، لكنه أقرب إلى ما تسميه نظريات العلاقات الدولية بـ”الجمود الاستراتيجي”، حيث لا يملك أي طرف القدرة على الحسم، ولا يملك ترف الانسحاب. ومع تعمّق هذا الجمود، يتحول الصراع من منطق الانتصار إلى منطق تقليل الخسائر.

وهنا يدخل منطق Game Theory ليصف الحالة بدقة: لم تعد اللعبة “صفرية المحصلة”، بل أصبحت “غير صفرية”، حيث تتوزع الخسائر ويُعاد تعريف الربح والخسارة وفق القدرة على الصمود، لا وفق تحقيق النصر.

من هنا، لا ينبغي النظر إلى مذكرة التفاهم باعتبارها انتصارًا لإيران أو هزيمة لأميركا، بل باعتبارها اعترافًا متبادلا بحدود القوة. فطهران تحتاج إلى متنفس اقتصادي يخفف العقوبات، فيما تحتاج واشنطن إلى تهدئة جبهة إقليمية تستنزف مواردها في لحظة يتجه فيها مركز الثقل الاستراتيجي نحو آسيا.

ومن هذه الزاوية، تتحول المذكرة إلى محطة من محطات إدارة الصراع لا حلّه. فالدول لا تتحرك وفق الشعارات، بل وفق المصالح، ولذلك وجدت إيران التي رفعت شعار مواجهة “الشيطان الأكبر”، والولايات المتحدة التي صنّفتها لعقود كخصم استراتيجي، نفسيهما في نقطة توازن فرضتها الكلفة، لا الإرادة.

في هذا السياق، لا يخلو توقيع المذكرة إلكترونيًا من دلالة تتجاوز الشكل التقني. فهو اتفاق بلا صورة، بلا مصافحة، بلا لحظة سياسية تقليدية تُترجم التحوّل، كأن الطرفين اختارا تسوية باردة تعكس طبيعتها: تفاهم اضطراري أكثر منه مصالحة، وخطوة محسوبة أكثر منها حدثًا تاريخيًا.

غير أن هذا الشكل البارد لا يلغي احتمال أن يُستكمل لاحقًا بمشهد حضوري في سويسرا، حيث تُمنح التسوية بعدها الرمزي والسياسي. لكن هذا الاحتمال، حتى لو تحقق، لن يغيّر من جوهر ما حدث: تسوية فرضها جمود استراتيجي قاسٍ لا يسمح بخيارات رابحة.

لكن جذور هذا المشهد لا تتوقف عند السياسة المباشرة، بل تمتد إلى عمق فهم الدولة والعلاقات الدولية. فهنا يمكن استدعاء مقاربة نيكولا ماكيافللي كما وردت أفكاره في كتابه الأمير عام 1532، حيث يربط بين شرعية الحكم والقدرة على الحفاظ على الدولة. وفق هذا المنطق، لا تُقاس السياسة بالأخلاق أو الشعارات، بل بقدرتها على البقاء. ولو طُبّق هذا الإطار على المشهد الحالي، لما بدا التقارب الأميركي – الإيراني مفارقة، بل نتيجة طبيعية لمسار بلغ حدوده القصوى: عندما تصبح كلفة الصدام أعلى من كلفة التسوية، يتحول التفاهم إلى ضرورة لا خيار.

ومن هذه الزاوية، لا يمكن فهم المشهد كحالة ثنائية فقط، بل كجزء من إعادة تشكيل أوسع للنظام الدولي. فالولايات المتحدة تتحرك تدريجيًا نحو إعادة ترتيب أولوياتها، حيث يتراجع الشرق الأوسط من موقع مركز الصراع إلى موقع إدارة التوازنات، مقابل صعود التحدي الصيني بوصفه التهديد الاستراتيجي الأكبر في القرن الحادي والعشرين.

هذا التحول لا ينعكس فقط على إيران، بل أيضًا على بنية التحالفات الأميركية نفسها، بما في ذلك العلاقة مع إسرائيل، التي تتجه من نموذج التحالف المطلق إلى نموذج أكثر مرونة وإعادة ضبط، يقوم على إدارة التوازنات بدل الثوابت. في هذا السياق، تصبح السياسة الأميركية أقرب إلى هندسة شبكات مصالح متعددة الطبقات، لا إلى اصطفافات حادة كما في العقود السابقة.

في الخلفية أيضًا، يظهر العامل الذي يعيد تشكيل كل الحسابات: الصين، التي تتحول تدريجيًا إلى منافس اقتصادي وتكنولوجي عالمي، ما يدفع واشنطن إلى تقليل استنزافها في ساحات لا تحدد مستقبل النظام الدولي، مهما كانت أهميتها الإقليمية.

في هذا السياق، تتحرك القوى الإقليمية بدورها ضمن حسابات دقيقة: السعودية بين واشنطن وبكين، تركيا بين الشرق والغرب، ومصر بين الاقتصاد والجغرافيا السياسية، فيما تحاول قوى صاعدة مثل الهند استثمار التناقضات بدل الانخراط في اصطفافات حادة.

ويبقى السؤال الأهم في المشرق العربي: هل تستطيع الدول التي تدفع ثمن هذا الجمود أن تتحول من ساحات صراع إلى فاعلين مستقلين؟ أم أنها ستبقى جزءًا من إدارة صراعات لا تملك أدواتها؟

في المحصلة، لا يبدو الشرق الأوسط متجهًا نحو نهاية إيران، ولا نحو هيمنة إسرائيل المطلقة، بل نحو مرحلة أكثر تعقيدًا: جمود استراتيجي طويل الأمد لا ينتج منتصرًا واضحًا ولا مهزومًا نهائيًا.

وعندما يُكتب لهذا الاتفاق أن يكتمل شكليًا أو رمزيًا، فإن جوهره سيبقى كما هو: لحظة انتقال من منطق المواجهة المفتوحة إلى منطق إدارة الخسائر، حيث لا تُقاس السياسة بما يُعلن، بل بما يُتجنّب.

وهكذا، لا يُغلق هذا المشهد باب الصراع، بل يعيد تعريفه: عالم لا يُدار بالانتصارات، بل بإدارة العجز المتبادل.

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق التفاهم الأميركي – الإيراني ينتظر ساعة سويسرا
التالى رسائل أميركية حادة إلى أوروبا…هل تعيد واشنطن رسم علاقتها بالناتو؟