كتب منير الربيع في “المدن”:
الخطر كبير. لبنان مرشح لأن يكون هو ضحية المنطقة. تبقى الضحية هي الطرف الأضعف، التي يستضعفها الجميع، خصوصاً في ظل مشاريع كبرى تتصارع، وبحال وصل الصراع إلى حالة انسداد. تقف المنطقة اليوم أمام مخاطر اندلاع الحرب مجدداً. أما في حال بقي الوضع على حاله من حصار ومناوشات بلا أي حسم، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يريدان تحقيق “إنجاز” أو “انتصار” ما. هذا الانتصار يمكن أن يبحثا عنه في لبنان، إما من خلال جرّه إلى التطبيع والسلام بالشروط الإسرائيلية، أو أنه سيكون مشرعاً أمام حرب إسرائيلية متجددة وطاحنة بضوء أخضر أميركي، مع إمكانية تشريع أبوابه لصراعات أخرى إما داخلية أو مع دول مجاورة خصوصاً مع سوريا. وهنا قد تتكرر المحاولات الإسرائيلية أو الأميركية لدفع سوريا إلى التدخل ضد حزب الله، وهذا ما يعني إدخال المنطقة في حرب سنية شيعية، واستدراج لبنان إلى دوامة دموية لا خروج منها.
لا تزال الإدارة الأميركية مصرّة على عقد اللقاء بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ونتنياهو، وكل محاولات تجنّب اللقاء لم تنجح. نتنياهو يريد اللقاء أيضاً، على الرغم من تعميم أجواء في الأوساط الديبلوماسية أنه غير مهتم بها ويريد العودة إلى القتال. قتال لا يبدو أن هناك قدرة لإسرائيل على تحقيق أهدافها من خلاله. فأهدافها هي تفكيك حزب الله بالكامل وسحب سلاحه. ما يبلغه مسؤولون دوليون وديبلوماسيون للمسؤولين اللبنانيين بأنه يجب عدم النقاش في مسألة حصول اللقاء بين عون ونتنياهو، وليس هناك مجال للنقاش الداخلي اللبناني في كيفية سحب سلاح حزب الله، بل يريدون المباشرة بالتنفيذ، والتعاطي مع ملف السلاح كأنه قد انتهى، وأن ينطلق لبنان في مباحثاته من مرحلة ما بعد السلاح، وهذا كلام سمعه مسؤولون لبنانيون من مستويات مختلفة.
ما دون ذلك، فإن خيار الحرب الإسرائيلية الواسعة والمدمرة لا يزال هو الخيار الوحيد، وسط معلومات عن محاولات إسرائيلية لإقناع الأميركيين بالسماح لهم بتوجيه ضربات في عمق لبنان وفي العاصمة بيروت، للضغط على الدولة اللبنانية ودفعها إلى التحرك ضد الحزب، وإجبارها على اللقاء مع نتنياهو والمفاوضات المباشرة. بعض الجهات الدولية تتعاطى مع الملف اللبناني بأنه تحول إلى عبء عليها، لا سيما عندما يصل الأمر بأحد مسؤولي وزارة الخارجية الأميركية للتصريح بأن حزب الله يعرقل مسار المفاوضات بين الدولة اللبنانية وإسرائيل. وعندما يخرج مسؤولون من فرنسا، ألمانيا، أميركا وغيرها، يشيرون إلى أن الدولة اللبنانية لم تفِ بالتزاماتها في ملف سحب السلاح والجيش لا يتحرك بفعالية. كل ذلك قد يستخدم لاحقاً في سياق ممارسة الضغط العسكري الأقصى على البلاد، لا سيما عندما يصل دونالد ترامب إلى مرحلة يعلن فيها أنه سئم من متابعة الملف اللبناني والاهتمام به.
في حال وصل ترامب إلى هذه الحالة، يعني أنه سيطلق يد نتنياهو، لكنه أيضاً يعلم كما غيره من الأميركيين والإسرائيليين بصعوبة ما يسمونه “القضاء على حزب الله” وتفكيكه عسكرياً، أمنياً وسياسياً. ذلكَ سيدفع بالبحث عن فتح صراعات أخرى، إما أن تكون هذه الصراعات داخلية، كما هو الحال بالنسبة إلى المواقف الإسرائيلية الواضحة لجهة دخول الجيش في مواجهة مع الحزب، وعدم “الاهتمام” بكلمة “الحرب الأهلية”. وإما من خلال تجديد الضغط على سوريا لدفعها إلى الانخراط في مواجهة مع الحزب، والدخول إلى البقاع لوضع الحزب بين فكي كماشة إسرائيلية وسورية. وفي حال استمر الرفض السوري لذلك، فقد تعمل تل أبيب على افتعال مشكلة أو دفع البلدين للدخول في صراع بين بعضهما البعض. وقد تستثمر إسرائيل في أي خلافات لبنانية سورية أو انعدام التنسيق كي تغذي بذور الصراع. كما يمكن لإسرائيل أن تضغط على سوريا في الجنوب السوري وفي ملف السويداء، بالتزامن مع محاولات تقديم إغراءات لها لدفعها إلى التدخل ضد الحزب.
في سوريا أيضاً، تبدو المؤشرات مقلقة، وربما بسبب عدم دخول البلدين في مسار صحي للعلاقة يقوم على التنسيق الدائم والمستمر، والبحث عن قواسم مشتركة، في مواجهة التحديات الإسرائيلية المشتركة، خصوصاً أن اسرائيل تحتل أراضي في الجنوبين السوري واللبناني وتعمل على دمجهما ببعضهما البعض. وهذا يحتم على لبنان وسوريا معاً التنسيق أكثر وتطوير مستوى العلاقات وربما البحث عن مظلة تفاوضية مشتركة مع إسرائيل، لعدم الاستفراد بكل دولة لوحدها، خصوصاً أن نتنياهو يعمل بوضوح على فصل المسارات، بينما المصلحة اللبنانية والسورية والعربية ككل هي توحيد المسارات والبحث عن مظلة عربية وإقليمية تدعم البلدين معاً في مواجهة الخطر الإسرائيلي أو أي خطر آخر.
يشبه لبنان اليوم ما عايشته سوريا في خمسينيات القرن الفائت، إذ شهدت انقسامات داخلية حول مشروع حلف بغداد، وهو ما هدد وحدة سوريا يومها. في حينها اتجه الرئيس السوري شكري القوتلي إلى مصر وطلب من الرئيس جمال عبد الناصر حماية سوريا، وكانت الوحدة العربية. وبغض النظر عن كل الملاحظات التي خلفتها الوحدة، وإنتاج نظام أمني ومخابراتي والقمع الذي مورس، فإن لبنان يواجه انقساماً كبيراً يهدد كيانه ووحدته. وطبعاً ليس المطلوب الذهاب إلى الوحدة مع سوريا، ولكن التنسيق برعاية عربية ودولية أيضاً، مع الحفاظ على سيادة البلدين مقابل التنسيق في المسارات الاستراتيجية، خصوصاً أن إسرائيل تريد للبنان أن يكون في مواجهة سوريا، كما تريد لسوريا أن تبقى تهديداً قائماً ضد لبنان.
لم يعد بالإمكان التغافل عن البيانات التي تصدرها سوريا حول كشف خلايا تابعة لحزب الله، تخطط لتنفيذ عمليات على الأراضي السورية، بينما الحزب ينفي. هذا يجب أن يشكل فرصة جدية للدولة اللبنانية للتحرك باتجاه سوريا والتنسيق على مستويات عالية، سياسية قبل الأمنية والعسكرية، ووضع آليات تنسيق وتكامل واضحة، بإشراف عربي وإقليمي، كي لا تشكل هذه الأحداث أي ثغرة تسبب توتراً أو صراعاً بين سوريا من جهة وحزب الله من جهة أخرى.
على لبنان أن يبادر سريعاً باتجاه سوريا، وهو ما سيفعله رئيس الحكومة نواف سلام في الأيام المقبلة. لكن ذلك أيضاً يقتضي المبادرة من قبل رئيس الجمهورية جوزاف عون، على أن يعمل الرئيسان بخطىً منسقة ومتزامنة للقيام بجولات باتجاه سوريا، تركيا، المملكة العربية السعودية، قطر، مصر، ودول أوروبية وغربية وحتى دول دائمة العضوية في مجلس الأمن لتوفير مظلة حماية للبنان، مع زيارات إلى الولايات المتحدة الأميركية، على أن يكون ذلك منطلقاً من موقف لبناني واضح يرتكز على قرار واضح لدى الدولة اللبنانية بإنهاء حالة الحرب، ووقف النار وعمليات التدمير والتهجير الإسرائيلية، وحصر السلاح بيد الدولة، وتطبيق الدستور، للحفاظ على لبنان الدولة، الكيان، الجغرافيا والديمغرافيا.
ما دون ذلك، فإن لبنان سيكون مقبلاً على مخاطر كبيرة تهدد وحدته، ووجوده، وبقاءه، كما تهدد جغرافيته، لأن المطامع الإسرائيلية معروفة جنوباً، وأي صراع مع سوريا سيعني خطر جديد على البقاع. على لبنان أن يبادر سريعاً، داخلياً وخارجياً، كي لا يكون هو الضحية ولا ثمن الصراع ونتائجه في المنطقة.
المصدر: imlebanon




